نواكشوط في قلب إعادة تشكيل توازنات الساحل

استقبلت نواكشوط وفدا مغربيا رفيعا برئاسة الوزير المنتدب المكلف بالاستثمار كريم زيدان، في توقيت إقليمي بالغ الحساسية، تزداد فيه حرارة التوترات في الساحل وغرب إفريقيا، وتتسارع معه محاولات إعادة رسم خرائط النفوذ والتحالفات في واحدة من أكثر المناطق هشاشة واضطرابًا في القارة.
فالزيارة لا تبدو حدثا اقتصاديا أو بروتوكوليا معزولا عن السياق الإقليمي، فهي تأتي في لحظة تعيش المنطقة فيها على وقع توتر متصاعد وتحركات استخباراتية ودبلوماسية ومناورات عسكرية عالية.

 وتأتي الزيارة في خضم الحديث عن زيارة مرتقبة للعاهل المغربي محمد السادس إلى فرنسا، وبعد تحركات خارجية لافتة للرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، وسط مشهد إقليمي شديد التعقيد، خصوصا مع تنامي التقارب بين المغرب ومالي، في وقت تشهد فيه العلاقة بين نواكشوط وباماكو توترا متصاعدا منذ وصول العسكريين إلى السلطة، على خلفية حوادث استهداف مواطنين موريتانيين داخل الأراضي المالية واتهامات من دوائر مالية لموريتانيا بدعم وإيواء المتمردين الطوارق، وهي اتهامات قابلتها نواكشوط برد و حذر دبلوماسي واضح.
ورغم هذا التوتر، ظلت موريتانيا من أكثر الدول تفهما لوضع مالي بعد انقلاب الجنرال آسيمي غويتا، إذ لعبت نواكشوط دورًا مهمًا في تخفيف الضغوط الإقليمية والاقتصادية على باماكو خلال فترة العقوبات والحصار التي فرضتها المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا، واختارت مقاربة تقوم على منع انهيار دولة جارة ترتبط بها موريتانيا بعمق جغرافي وأمني واجتماعي كبير، وهو ما جعل كثيرين يرون أن الخطاب والتصرفات العدائية الصادرة لاحقا من بعض الدوائر المالية لم تكن منسجمة مع حجم الدعم والهدوء الذي تعاملت به نواكشوط مع الأزمة المالية منذ بدايتها.
لكن المنطقة تغيرت بسرعة خلال الأشهر الأخيرة. فالعلاقة بين مالي والجزائر دخلت مرحلة توتر حاد منذ أزمة إسقاط الطائرة المالية، ثم الاتهامات المالية للجزائر بدعم المتمردين الطوارق، وصولًا إلى اعتراف باماكو بمغربية الصحراء، وهي خطوة فهمت في الجزائر باعتبارها جزءا من إعادة تموضع إقليمي أوسع يجري في الساحل وغرب إفريقيا.
ورغم أن الجزائر كانت تملك ما يكفي من الأسباب للرد بقوة، فإنها بدت هذه المرة أكثر حذرا، وكأنها تدرك أن ما يجري يتجاوز مجرد خلاف ثنائي مع مالي، وأن المنطقة تتحول تدريجيا إلى فضاء صراع نفوذ مفتوح، تستخدم فيه الأنظمة الهشة والأزمات الحدودية والتحالفات العسكرية كأدوات لإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية.
وفي خلفية هذا المشهد، تتداخل مشاريع نفوذ متعددة؛ قوى دولية تعيد ترتيب حضورها في الساحل بعد التراجع الفرنسي، وروسيا التي اقتربت أكثر من السلطة العسكرية في باماكو بحثًا عن موطئ قدم استراتيجي في غرب إفريقيا، فيما تحولت المنطقة إلى سوق مفتوح للسلاح، الأمر الذي فتح الباب أمام صاعدين جدد في تجارة التسلح والطائرات المسيّرة والتجهيزات العسكرية.
وسط هذه التوازنات المعقدة، تتحرك موريتانيا بمنطق مختلف تماما. 

فمنذ سنوات، اختار الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني إدارة الملفات الخارجية بهدوء شديد، بعيدا عن الانفعالات والاستقطابات الحادة، وهو ما منح نواكشوط صورة الدولة المتوازنة القادرة على الحديث مع الجميع دون أن تتحول إلى جزء من أي محور صدامي.
ولعل ما يعزز هذا الانطباع أن تحركات غزواني الخارجية الأخيرة لم تكن عادية؛ فزيارته الأخيرة إلى الإمارات العربية المتحدة جاءت في توقيت إقليمي حساس، بالتزامن مع تغيرات متسارعة في الساحل، كما أن زيارته إلى فرنسا حملت بدورها أبعادا تتجاوز العلاقات الثنائية التقليدية، خصوصا مع تزايد الحديث عن ترتيبات أمنية وجيوسياسية جديدة في المنطقة، في ظل معلومات وتحليلات تتحدث عن إعادة توزيع للأدوار والنفوذ في غرب إفريقيا والساحل.
ومن هنا، تطرح زيارة الوفد المغربي إلى نواكشوط تساؤلات سياسية عميقة: هل تسعى الرباط إلى احتواء التوتر المتصاعد بين موريتانيا ومالي قبل تحوله إلى أزمة مفتوحة؟ وهل تحاول طمأنة نواكشوط بأن التقارب المغربي المالي لن يكون على حسابها؟ أم أن المغرب يتحرك لإدراكه أن موريتانيا أصبحت اليوم حجر توازن أساسيًا في الساحل، وأن خسارة حيادها أو استقرارها قد يربك كامل المعادلات الجديدة التي تتشكل في المنطقة؟
الواقع أن موريتانيا تبدو اليوم وكأنها تحقق، بصمت، ما عجزت عنه دول أكبر منها؛ إذ استطاعت الحفاظ على استقرارها الداخلي، وتجنب الانجرار نحو الفوضى الإقليمية، وبناء شبكة علاقات متوازنة مع أطراف متناقضة، في وقت تتآكل فيه التوازنات بسرعة داخل الساحل وغرب إفريقيا.
ولهذا، لم تعد نواكشوط مجرد عاصمة هادئة على هامش الأحداث، بل تحولت تدريجيا إلى نقطة عبور سياسية وأمنية لا يمكن تجاهلها في أي معادلة تخص مستقبل الساحل، وهو ما يفسر لماذا أصبحت كل القوى المتنافسة في المنطقة تحرص اليوم على إبقاء خطوطها مفتوحة مع موريتانيا، الدولة التي اختارت أن تبقى خارج العاصفة… دون أن تبتعد عن مركزها الحقيقي.