أصدرت دار «العربي» في القاهرة الترجمة العربية لكتاب «النيل – نهر التاريخ» للباحث وأستاذ الجغرافيا النرويجي تارييه تافيت، في عمل يمتد على 544 صفحة من القطع الكبير، ونقلته إلى العربية المترجمة منة الخازندار.
يقدم الكتاب قراءة واسعة لحضور نهر النيل في الوعي الأوروبي عبر عصور متعددة، جامعاً بين الصرامة الأكاديمية والسرد الأدبي.
يروي المؤلف أن اهتمامه بالمياه بدأ من تجربته الشخصية في مدينة بيرغن النرويجية، المعروفة بأمطارها الغزيرة.
هناك، وبين حياة طالب محدود الإمكانات يتنقل بسيارة قديمة تتسرب إليها المياه، أدرك كيف يمكن للمطر أن يهيمن على تفاصيل الحياة اليومية. ومن هذه الملاحظة البسيطة انطلقت فكرته الكبرى: الماء ليس مجرد عنصر طبيعي، بل قوة تاريخية تشكل المجتمعات ومسارات تطورها.
حوّل تافيت هذا الإدراك إلى مشروع بحثي طويل الأمد حول علاقة المجتمعات بالمياه، فأصدر أكثر من عشرين كتاباً، وتتبع مسارات أنهار كبرى في آسيا وأوروبا وأفريقيا وأميركا اللاتينية. غير أن النيل ظل، بحسب قوله، النهر الأكثر إثارة لخياله وشغفه.
وفي عام 2023، ترأس مؤتمراً علمياً في مكتبة الإسكندرية، وأطلق بالتعاون مع باحثين من دول حوض النيل برنامجاً بحثياً حول النهر، كما أنجز فيلماً وثائقياً بعنوان «تحقيق بشأن النيل»، أعاد من خلاله استكشاف أبعاد هذا الشريان التاريخي.
النيل في المخيلة الأوروبية
يتوقف الكتاب عند «فسيفساء النيل» الشهيرة في بلدة بالسترينا الإيطالية، وهي عمل فني يعود إلى نحو ألفي عام، يجسد النهر وحياة ضفافه من منظور بانورامي لافت. ويرى المؤلف أن هذه اللوحة لا توثق الطبيعة فحسب، بل تعكس موقع النيل في الخيال الثقافي الأوروبي، حيث تداخلت صورته مع الأساطير والرموز الدينية.
كما يتتبع حضور النيل في النحت الروماني وفنون عصر النهضة، حيث صُوِّر كإله مهيب يجسد الخصب والحياة، مثل تمثال «إله النيل» في الفاتيكان الذي تحيط به ستة عشر طفلاً رمزاً لارتفاع منسوب الفيضان. ويشير كذلك إلى تماثيل ولوحات أوروبية أخرى أبرزت النهر بوصفه مصدر حضارة وإلهام.
وفي القرن التاسع عشر، تنافس الفنانون الأوروبيون على تصوير الحياة اليومية على ضفافه، من المعابد المصرية إلى مشاهد الفلاحين، في أعمال اتسمت بالدقة أحياناً وباللمسة الرومانسية أحياناً أخرى، ما يعكس استمرار حضور النيل في المخيلة الغربية بوصفه رمزاً للحضارة والخصب.
بهذا المزج بين التاريخ الثقافي والتحليل الجغرافي، يقدم الكتاب رؤية شاملة للنيل لا كنهر إفريقي فحسب، بل كعنصر فاعل في تشكيل الوعي الأوروبي ومسارات التفكير في العلاقة بين الإنسان والماء عبر العصور.
